أبي الفرج الأصفهاني

79

الأغاني

قلت : فمن أين أخذ الأعشى مذهبه ؟ قال : من قبل العباديّين نصارى الحيرة ، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقّنوه ذلك . هريرة عشيقته : أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أبو شراعة في مجلس الرّياشيّ قال حدّثنا مشايخ بني قيس بن ثعلبة قالوا : كانت هريرة التي يشبّب بها الأعشى أمة سوداء لحسّان بن عمرو بن مرثد . وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن فراس بن الخندف قال : كانت هريرة وخليدة أختين قينتين كانتا لبشر بن عمرو بن مرثد ، وكانتا تغنّيانه النّصب [ 1 ] ، وقدم بهما اليمامة لمّا هرب من النّعمان . قال ابن دريد فأخبرني عمّي عن ابن الكلبيّ بمثل ذلك . مدح المحلق الكلابي وذكر بناته فتزوّجن : وأخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ عن الرّياشيّ مما أجازه له عن العتبيّ عن رجل من قيس عيلان قال : كان / الأعشى يوافي سوق عكاظ في كلّ سنة ، وكان المحلَّق الكلابيّ مئناثا [ 2 ] مملقا . فقالت له امرأته : يا أبا كلاب ، ما يمنعك من التعرّض لهذا الشاعر ! / فما رأيت أحدا اقتطعه إلى نفسه إلا وأكسبه خيرا . قال : ويحك ! ما عندي إلا ناقتي وعليها الحمل ! . قالت : اللَّه يخلفها عليك . قال : فهل له بدّ من الشّراب والمسوح [ 3 ] ؟ قالت : إنّ عندي ذخيرة لي ولعلَّي أن أجمعها . قال : فتلقّاه قبل أن يسبق إليه أحد وابنه يقوده فأخذ الخطام ؛ فقال الأعشى : من هذا الذي غلبنا على خطامنا ؟ قال : المحلَّق . قال : شريف كريم ، ثم سلَّمه إليه فأناخه ؛ فنحر له ناقته وكشط له عن سنامها وكبدها ، ثم سقاه ، وأحاطت بناته به يغمزنه ويمسحنه . فقال : ما هذه الجواري حولي ؟ قال : بنات أخيك وهنّ ثمان شريدتهن قليلة . قال : وخرج من عنده ولم يقل فيه شيئا . فلما وافى سوق عكاظ إذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها وإذا الأعشى ينشدهم . لعمري لقد لاحت عيون كثيرة إلى ضوء نار باليفاع تحرّق تشبّ لمقرورين يصطليانها وبات على النار النّدى والمحلَّق رضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا بأسحم [ 4 ] داج عوض لا نتفرّق فسلَّم عليه المحلَّق ؛ فقال له : مرحبا يا سيّدي بسيّد قومه . ونادى : يا معاشر العرب ، هل فيكم مذكار [ 5 ] يزوّج ابنه إلى الشريف الكريم ! . قال : فما قام من مقعده وفيهنّ مخطوبة إلا وقد زوّجها . وفي أول القصيدة عناء وهو :

--> [ 1 ] النصب : ضرب من أغاني العرب شبيه بالحداء . [ 2 ] المثناث : الذي اعتاد أن يلد الإناث . [ 3 ] المسوح : جمع مسح وهو كساء من شعر كثوب الرهبان . [ 4 ] بأسحم داج : قيل المراد به الليل ، وقيل سواد حلمة الثدي ، وقيل الرحم . وعوض : أبدا . يقول : هو والندى رضعا من ثدي واحد وتحالفا ألا يتفرّقا أبدا . ( راجع « لسان العرب » مادة عوض ) . [ 5 ] المذكار : الذي اعتاد أن يلد الذكور .